ملا محمد مهدي النراقي
386
جامع الأفكار وناقد الأنظار
المتعارضة الواردة في هذا الباب . قال بعض الأعلام - بعد اختياره تقدّم الاستطاعة على الفعل وايراده شطرا من الاخبار الدالّة عليه - : وأمّا ما نقل عنه - عليه السّلام - في روايتي البصري والنبلي - : انّه لا يكون الاستطاعة الّا وقت الفعل - ، فمع ضعف الراوي واحتمال التقية يمكن حمل الاستطاعة على الاستطاعة المستقلّة الخارجة عن سلطان اللّه - عزّ وجلّ - بحيث لو أراد صرف العبد معها عن الفعل لم يمكنه ، كما زعمه أكثر المعتزلة حيث قالوا : انّ اللّه أراد من الكفّار والفجّار / 87 MB / الطاعة والايمان طوعا ولا يمكنه صرفها عن الكفر والعصيان إلّا جبرا ، وإلّا لفعله إذ يجب على قاعدتهم أقصى ما يمكن من اللطف وإزالة العلل . وأمّا عند المتشبّثين بذيل أهل البيت - عليهم السّلام - فلا تخرج قدرة العبد عن سلطانه ولا يفعل فعلا إلّا بتوفيقه أو خذلانه ، ولا يجب عليه كلّ مقرّب للطاعة ومبعّد للمعصية بالنسبة إلى كلّ أحد في كلّ حال ، بل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 1 » ولا يكون للنّاس حجّة على اللّه بعد الرّسل « 2 » والدلالات . وهو - سبحانه - مع ذلك / 83 DB / منزّه عن إرادة الشرور والقبائح بذاتها كما هو منزّه عن ايجادها كذلك . نعم ! قد يخذل شخصا حسب استعداده على وفق مشيته ، ويلاحظ في ذلك خيرا كثيرا ولا يريد إلّا ما هو الأصلح بالكلّ ولا يقع في الوجود إلّا ما يشاء . فإذا فعل عبد خيرا علم انّه مستطيع عليه موفّق به ، وإذا فعل شرّا ظهر أنّه مستطيع عليه مخذول به . وأمّا قبل ذلك فلعلّ اللّه يصرفه عن ارادته ولا يأذن له ؛ فسبحان من تنزّه عن الفحشاء الّذي لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء ، ولا يخرج عن حوله وقوّته شيء في الأرض ولا في السماء ، بل بحول اللّه وقوّته يقوم العبد ويقعد . وروى ثقة الاسلام عن الصادق - عليه السّلام - انّه قال : اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد « 3 » ؛ انتهى . وأنت بعد الإحاطة بما تقدّم تعلم ما في بعض كلمات هذا القائل
--> ( 1 ) - جزء من كريمة 125 ، الانعام . ( 2 ) - مقتبس من كريمة 165 ، النساء . ( 3 ) - راجع : الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 160 .